الخطيب الشربيني

9

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

والتحميد على أحوال أهل الجنة بسبب المأكول والمشروب ، فإنهم إذا اشتهوا شيئا قالوا : سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ [ يونس ، 10 ] فيحصل ذلك الشيء ، فإذا فرغوا منه قالوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة ، 2 ] فترتفع الموائد عند ذلك . قال الرازي : وهذا القائل ما رقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول والمشروب ، وحقيق بمثل هذا الإنسان أن يعدّ في زمرة البهائم ، وأما المحققون فقد تركوا ذلك . اه . ولا تنبغي هذه المبالغة ، فقد قاله البغوي ، وتبعه جماعة من المفسرين . وقال الزجاج : أعلم اللّه أنّ أهل الجنة يفتتحون بتعظيم اللّه تعالى وتنزيهه ، ويختمون بشكره والثناء عليه . قال البيضاوي : المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة اللّه تعالى وكبرياءه مجّدوه ونعتوه بنعوت الجلال ، ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات ، أو اللّه تعالى ، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام . ولما وصف اللّه تعالى الكفار بأنهم لا يرجون لقاء اللّه ورضوا بالحياة الدنيا ، واطمأنوا بها ، وكانوا عن آيات اللّه غافلين ؛ بيّن أن من غفلتهم أنّ الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلا منهم وسفها بقوله تعالى : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أي : ولو يعجل اللّه للناس إجابة دعائهم بالشر فيما لهم فيه مضرة ومكروه اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ أي : كما يحبون أن يعجل لهم إجابتهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ أي : لأهلكهم ، ولكن يمهلهم . نزلت في النضر بن الحارث حين قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم ، ويدل عليه قوله تعالى : فَنَذَرُ أي : فنترك . الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ أي : في تمردّهم وعتوهم . يَعْمَهُونَ أي : يتردّدون متحيرين . وقال ابن عباس : هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده : لعنكم اللّه ، لا بارك اللّه فيكم . وقال قتادة : هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له فيه . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه ، إنما أنا بشر ، فأيّ المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها إليّ يوم القيامة » « 1 » . فإن قيل : قابل التعجيل في الآية بالاستعجال ، وكان مقتضى النظم أن يقابل التعجيل بالتعجيل والاستعجال بالاستعجال ، أجيب : بأنّ تقدير الكلام : ولو يعجل اللّه للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالا كاستعجالهم بالخير ، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه ، وقال في « الكشاف » : أصل هذا الكلام : ولو يعجل اللّه للناس الشر تعجيله لهم بالخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم بالخير إشعارا بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم ، حتى كان استعجالهم بالخير تعجيل لهم . ولما حكى تعالى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب ، بين أنهم كاذبون في ذلك الطلب والاستعجال بقوله تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ أي : الكافر الضُّرُّ أي : المرض والفقر دَعانا لِجَنْبِهِ أي : على جنبه مضطجعا أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً وفائدة التردّد تعميم الدعاء لجميع الأحوال

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 390 ، 3 / 33 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 266 ، وعبد الرزاق في المصنف 20293 ، 20294 .